مجرة - Majarah
طريقك الى العالم

فكرة الأثير الكونى

الأثير الكونى

اعتقد الفيزيائيون في الماضي أن انتشار الضوء يسير مثل انتشار الصوت وافترضوا وجود وسط لانتشار الضوء وأسموه "الأثير" مثلما ينتشر الضوء في الهواء والماء وغيره. كما افترضوا أن الأجسام لا تجرف معها هذا الأثير أثناء حركتها، كمثل قفص سلكي يتحرك في الهواء، لا يزيح الهواء أمامه.

فإذا كان قطارنا في سكون بالنسبة للأثير توقعنا انتشار الضوء بنفس السرعة في جميع الاتجاهات، كما نتوقع ظهور أي حركة للقطار خلال الأثير، حيث ستختلف سرعة الضوء باختلاف اتجاه الانتشار. ووجد العلماء أنفسهم أمام أسئلة مربكة بسبب افتراض هذا الأثير - كوسط تظهر ذبذبته كالضوء- وهو افتراض لا يستند على أساس متين. فبينما لا نعتمد على انتشار الصوت فقط لدراسة خواص الهواء بل نعتمد أيضا على تجارب كيميائية وفيزيائية عديدة، نجد أن هذا الأثير "المفترض" يسلك مسلكا غريبا في تجارب فيزيائية متعددة، فهو لا يشارك إطلاقا. وبينما يمكننا تعيين كثافة الهواء وضغطه بتجارب بسيطة فقد باءت جميع المحاولات لمعرفة شيء عن الأثير أو كثافته بالفشل وأصبحنا في موقف محير.

مما لا شك فيه أنه من الممكن تفسير بعض الظواهر الطبيعية بافتراض وسط خاص بالصفات المطلوبة ولكن استنباط نظرية سليمة لتفسير ظواهر طبيعية لا بد وأن تكون شاملة وتفسر العديد من الظواهر الطبيعية وليس لظاهرة بمفردها، لأن النظرية تأتي بتفسيرات أوسع من الحقائق التي بنيت عليها. وعلى سبيل المثال فقد عـُرف مدلول الذرة في العلوم عن طريق علمالكيمياء، وبدراستنا للذرات أمكن تفسير عدد كبير من الظواهر التي لا تنتمي إلى علم الكيمياء، بل والتنبؤ ببعضها. فاللجوء إلى الأثير لتفسير انتشار الضوء يماثل تفسير إنسان بدائي صوت الجرامافون بتصور أن عفريتا اتخذ من هذا الصندوق مسكنا.

حالة عويضة تنشا!

أهم مشكلة تنشأ من مخالفة الضوء لمبدأ "نسبية الحركة" تكون حتمية مخالفة جميع الأجسام لهذا المبدأ. ومن المعروف أن أي وسط مادي يقاوم حركة الأجسام فيه. وبناء على ذلك كان لا بد و ان يصحب حركة الأجسام في الأثير احتكاك، فتقل سرعة الجسم رويدا رويدا حتى يصل الجسم في النهاية إلى حالة سكون. وفي الواقع تدور الأرض (طبقا للمعلومات الفلكية) حول الشمس منذ آلاف السنين وملايين السنين ولا توجد أي علامة تدل أن سرعتها تهدأ تحت تأثير احتكاك موجود.

بذلك نكون قد وصلنا إلى طريق مسدود في محاولة تفسير المسلك الغريب للضوء بافتراض وجود "أثير"؟ فافتراض الأثير لم ينه مشكلة خروج الضوء عن مبدأ النسبية وما يتبع ذلك من مشاكل بالنسبة لحركة الأجسام.

التجربة تفصل!

ماذا نستطيع عمله إزاء هذا الخلاف؟

قبل أن تبدأ المناقشة نريد جذب الاهتمام إلى الحقائق التالية:

يستند الخلاف الذي اكتشفناه بين سلوك الضوء ومبدأ نسبية الحركة إلى سند واحد فقط. وصحيح أن استنتاجاتنا مقنعة في هذا الشأن. لكن محاولة حصر تفكيرنا على هذا السند تماثل تصرف بعض الفلاسفة القدامى الذين حاولوا اكتشاف قوانين الطبيعة في رؤوسهم. وإذا تصرفنا بتلك الطريقة لكان الخطر محتما أن يكون ما تخيلناه من كون متناسق، لا يمت في الواقع إلى عالمنا الحقيقي الذي نعيش فيه.

والتجربة العملية هي الحكم الأول والأخير لإثبات صحة نظرية فيزيائية، لهذا لا يجب أن نشغل أنفسنا أكثر من ذلك بمناقشة كيف سيكون انتقال الضوء في القطار المتحرك، وعلينا الآن القيام بالتجارب فهي التي ستأتي بالإجابة الصحيحة.

يعضدنا ونحن نقوم بإجراء التجارب أننا نعيش على كوكب له حركة معلومة. غير أن الأرض في دورانها حول الشمس لا تسير في خط مستقيم ولا يمكن لذلك اعتبارها "مختبرا ساكنا". فلو اعتبرنا الأرض في حالة سكون بالنسبة لمختبرنا في شهر يناير نجد أنها تصبح في حالة حركة بالنسبة له في شهر يوليو إذ أن حركة الأرض دائرية حول الشمس. وعلى الرغم من ذلك ان أمكننا دراسة انتشارالضوء على الأرض فإنما ندرس أنتشاره في مختبر يتحرك بسرعة عظيمة قدرها 30 كيلو متر فى الثانية (يمكن اهمال سرعة الأرض حول محورها إذ أن تلك السرعة تبلغ نحو نصف كيلومتر في الثانية فقط).

فهل يمكن تمثيل الكرة الأرضية بقطارنا المنطلق الذي وصل بنا إلى طريق مسدود؟ اشترط افتراضنا أن القطار يتحرك بسرعة منتظمة وفي خط مستقيم بينما تتحرك الأرض في مسار دائري، ومع ذلك يمكننا الأخذ بهذا التمثيل. فخلال ذلك الجزء من الثانية الذي يستغرقه الضوء داخل مختبرنا يمكننا اعتبار الأرض متحركة بسرعة منتظمة وفي خط مستقيم. فالخطأ الناشئ عن ذلك التقريب ضئيل ولا يمكن ملاحظته.

بما أننا نستطيع الآن مقارنة الأرض بالقطار يكون من الطبيعي أن يسلك الضوء على الأرض نفس سلوكه في القطار. أي لتوقعنا انتشار الضوء بسرعات مختلفة في الاتجاهات المختلفة.

 

لما لا تترك تعليق